<>

تقديم

كم من مرة راودتني فكرة التنقيب و البحث عن قرارات المجلس الأعلى الصادرة عن هيئة مشكلة من غرفتين مجتمعتين أو من جميع الغرف، وجمعها، و تصنيفها ؟ وكم خامرتني مبادرة التعليق على بعض هذه القرارات، ونشرها بحكم ما تكتنزه من مبادئ هامة، وما تدخره من فتاوي فقهية متأصلة.

والحقيقة، أنه لم يكن متيسرا تحقيق هذا المبتغى المحمود والأمل المنشود، لولا الظروف المناسبة،  والحوافز المعنوية المشجعة، خاصة وأن الغاية من تقديم هذه الخدمة  المتواضعة للمشهد القضائي، وتهيئ الحصيلة الجديدة المنعشة للذوق الحقوقي، والمغرية للبحث القانوني، هي أن الوصول إلى هذه القرارات غير المنشورة صعب المنال، فضلا عن دراستها دراسة متأنية لاستنباط مبادئها ومفاتيحها والتعليق عليها، سيما وأن التوثيق المعلوماتي كوسيلة فعالة للبحث عن أصول القرارات غير المنشورة لم ير النور في رحاب المجلس الأعلى إلا في السنوات الأخيرة، وهذا يعني أن البحث عن هذه الصول المحفوظة بالطرق التقليدية منذ إحداث المجلس الأعلى سنة 1957 يحتاج إلى جهد وعناء وصبر.

وفي هذا الصدد، كانت الفرصة سانحة لكي أتناول بالتحليل في المقدمة دور المجلس الأعلى في توحيد العمل القضائي من خلال مسطرة الغرف مجتمعة، وأن أجيب عن العديد من الأسئلة المرتبطة بالموضوع سواء تعلقت بالشكل أو المضمون، رغم أن الحديث عن ذلك يحتاج إلى أطروحات جامعية متخصصة، ودراسات قانونية معمقة من لدن الباحثين الذين نأمل منهم أن يوفوا الموضوع حقه من البحث، بعد أن تيسر بقدرة الله وعونه تصنيف هذه القرارات في ثلاثة أجزاء ونشرها بحسب تاريخ صدورها، وفهرسة موادها، ومعرفة تشكيلة هيئاتها، وطريقة صياغة نوازلها، والإجابة عن الوسائل أو المآخذ المثارة فيها، وإبداع الحلول المناسبة لها.

ومن جهة أخرى، فإن ما شجعني على هذه المبادرة أيضا هو أن المشرع المغربي اسند لأول مرة للمجلس الأعلى بنص صريح في المادة 518 من قانون المسطرة الجنائية صلاحية توحيد الاجتهاد القضائي وحسم الاختلاف، إضافة إلى دوره الريادي في رقابة محاكم الموضوع، وتدارك كل ما يقع من أخطاء قضائية في تطبيق القانون وسد الثغرات عن طريق التفسير السليم للقاعدة القانونية.

لقد كانت حكمة المشرع المغربي من تنظيم مسطرة الغرف مجتمعة بالمجلس الأعلى بالغة الأهمية في تخفيف حدة الاختلاف، كما كانت غايته سامية في السعي نحو توحيد الاجتهاد القضائي بالتنصيص على مقتضياتها في قانوني المسطرة المدنية والجنائية معا وفي بعض القوانين الخاصة.

وأعتقد أن مجابهة الورش الكبير  لإصلاح القضاء وتحقيق التعبئة الشاملة في مجالاته ينطلق من عدة أولويات، من بينها الانكباب على دراسة سبل توحيد الاجتهاد القضائي والتصدي لكل معوقاته للتقليل من ظاهرة الاختلاف فيه إن على مستوى محاكم الموضوع أو على مستوى غرف وأقسام المجلس الأعلى، رغم أن تحقيق هذا الهدف ليس من اليسير إنجازه، وأن التخطيط له يتطلب مجهودات جبارة في مجالات التكوين والتخصص والتواصل، والتدبير الإداري المحكم بفضل إدارة قضائية قوية وسليمة معززة بوسائل معلوماتية حديثة، تربط كل محاكم الموضوع بأعلى مؤسسة قضائية، بحثا عن اجتهاد مقنع، وتجاوب عميق، وحل سريع منصف، وجهاز قضائي فعال قادر على مواجهة التحديات دون خوف، ومجابهة المشاكل دون يأس أو ملل، غايته ممارسة صلاحياته في تحقيق العدل بكل ثقة وتجرد وحياد واطمئنان، في كنف مبدأ استقلال القضاء، ذلك الاستقلال الذي "لا يعد امتيازا مخولا للقاضي ليعمل بهواه، بمنأى عن كل محاسبة"، بل يعد ضمانة دستورية لكفالة حسن سير العدالة وحماية الحقوق.

﴿ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ صدق الله العظيم.

 

الربــاط في فاتح شعبان 1426 (6 شتنبر 2005)

إدريس بلمحجوب