<>

عقود التبرع

في الفقه و القانون و القضاء  طبعة 2012

د/ ابراهيم بحماني

مقدمة  

تعتبر  عقود التبرعات من العقود التي أثارت نقاشا مستمرا بين الفقهاء و الباحثين منذ زمن ليس باليسير، وذلك لأن المشرع لم ينظم هذه العقود بنصوص قانونية منظمة وواضحة ، وإنما ترك تنظيمها للفقه الاسلامي، وقد اختلفت المذاهب الفقهية، في تحديد شروطها بين شروط صحة وشروط كمال أو تمام، وأدى هذا الاختلاف الى اختلاف أحكام القضاء، كما أن النصوص القانونية المتعلقة بهذه العقود سواء الموجود منها في القوانين المدنية أو التجارية أو العقارية أو غيرها قد أثار تطبيقها إشكالا يتجلى في أن صحة هذه العقود لاتتوقف فقط على أركان العقد وشروطه المعروفة في القوانين المنظمة للقعود، وإنما تتوقف بالإضافة إلى ذلك على شروط أخرى منصوص عليها في الفقه الإسلامي، كشرط الحيازة و كيف يتحقق و ما هي الوسائل التي يتحقق بها.  

    وإذا كانت العقود المنظمة قانونا يمكن طلب بطلانها أو إبطالها أو فسخها للأسباب المبينة في القانون، فإن عقود التبرعات يمكن الرجوع فيها بشروط محددة في الفقه كما تضمنت مدونة الحقوق العينية حالات اعتصار الهبة.

   وهكذا يتبين أن عقود التبرع لها أركانها وشروطها الخاصة بها سواء فيما يتعلق بانعقادها أو صحتها أو بطلانها أو الرجوع فيها، وكثير من هذه الشروط غير منصوص عليها في القانون بما فيه مدونة الحقوق العينية وإنما يتعين الرجوع إليها في كتب الفقه المالكي على الخصوص، ومنها موطأ الأمام مالك وشروحه، والمدونة الكبرى للإمام ماك، وتحفة ابن عاصم وشروحها ومختصر الشيخ خليل و شروحه، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني وشروحها وفتاوى فقهاء المذهب في كتاب المعيار للونشريسي و الدخيرة لشهاب الدين القرافي.

    و النوازل الكبرى و الصغرى لسيدي النهدي الوزاني، وما جرى به العمل في مناطق المغرب كالعمل المطلق للسجلماني وعمل أهل فاس وأهل سوس ......

    وكان للقضاء المغربي و للمجلس الأعلى بالخصوص دور مهم في تطبيق الشروط الخاصة بعقود التبرعات وقد تجلى هذا الدور في تأثر المشرع بعمل المجلس عند صياغة مدونة الأوقاف المنشورة في الجريدة الرسمية بتاريخ 14-06-2010 وإن كان عمله مضطربا أحيانا وخصوصا فيما يتعلق بشرط الحيازة، خصوصا إذا كان العقار موضوع التبرع مدرجا بالمحافظة بحيث إنه كان يشترط بالإضافة إلى الحيازة المادية الفعلية التي تتم بالمعاينة ،  القبض الفعلي ، ان يتم تسجيل العقد بالمحافظة وإذا لم يسجل العقد بالمحافظة ولو تمت الحيازة الفعلية معاينة ومنذ سنوات فإن العقد معرض للأبطال، وقد أدى التشبتث بتطبيق هذه الشروط إلى إبطال عقود مر إنشائها أكثر من عشر سنوات رغم أن المتبرع عليه حاز فعلا وقام بما يقوم به المالك في ملكه من كراء أو بناء أو غرس ... وقد أدى هذا العمل إلى مآسي حقيقية كما أنه أثار احتجاج كثير من رجال القانون ، وذلك لتعارضه مع الواقع ، ولما يثير من عدم الايتقرار للمعاملات ومن تهديد للاستثمار الذي هو أساس التقدم و الإزدهار وهكذا بدأ يتكون في المجلس الأعلى رأي منذ 1995 وعقدت اجتماعات  برئاسة الرئيس الأول المرحوم محمد ميكو لمناقشة مدى اعتبار تسجيل عقود التبرع في الرسوم العقارية بمثابة حيازة قانونية تغني عن معاينة الحيازة المادية بعدلين، وكان أول قرار صدر في الموضوع هو قرار 174 في 13-02-1996 ولكن بقي النقاش محتدما إلى أن صدر القرار 555 في 08-12-2003 بجميع غرف المجلس الأعلى ومنذ هذا التاريخ استقر المجلس الأعلى و المحاكم على أن التسجيل بالمحافظة يغني عن معاينة الحيازة بعدلين، وهذا طبعا في الحالات العادية، أما في حالة المرض أو وجوب عيوب الرضى أو إذا تعلق الأمر بالتبرع بالسكنى الشخصية للمتبرع فإنه يتعين تطبيق الشروط المتعلقة بذلك.